المقريزي

298

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

فقال : معنا عامة الأكابر من أمراء العربان وأمراء التّركمان وغيرهم ، فحسّنا له الاجتماع بابن الحمصي ، وما زالا به حتى انخدع ودخل إليه ، فقام له وأكرمه ، وبالغ في التأدّب معه ، وخلا به فنصّ له الحديث وقصّه عليه ، وهو يظهر له الإذعان والرّغبة حتى قام وفي ظنّه أن قد ملك بابن الحمصي قلعة دمشق . وقد بعث في أثره من يتعرّف له حاله فوجدوه قد لقي الشيخ أحمد وعرّفوا مظنّتهما . وأخذ هو يعرّف أحمد فلم يعجبه ذلك وكرهه ، وعزم على الخروج من دمشق ، فاغتر ذلك المغرور وعاد إلى ابن الحمصي فقبض عليه وبعث إلى أحمد فقبض عليه بعد خروجه من صلاة العشاء بالجامع الأموي ومعه رجلان يحادثهما ، وصاروا بالثلاثة إلى ابن الحمصي ، فسجنهم وكتب مع البريد إلى السّلطان بأنه قد قبض على شخص يروم الخروج وقد دعا النّاس إلى ذلك ، وممن أجابه الأمير بيدمر نائب الشام ، وأنّ النائب لما توجه من دمشق إلى الصّيد تمكن من القبض على المذكور وعلى أصحابه ، وأنّهم تحت الحوطة بالقلعة . فكتب السلطان إلى الأمير بيدمر النائب بتسمير الجماعة ، وكان قد بلغه القبض عليهم ، فقدم إلى دمشق ، فلما قدّره اللّه به أجاب بأنّ هؤلاء قوم قد جفّت رؤوسهم من الدّرس ، وهم أحقر مما رموا به ، ولم يسمّرهم ولا تعرّض لهم بسوء ، فكتب ابن الحمصي يغري بالنائب لأحقاد كانت في نفسه قديمة ، فجاء البريد بإحضار أحمد ومن معه ، وقبض على الأمير بيدمر وأتباعه ، فحمل أحمد والثلاثة معه في الحديد ، وقدموا القاهرة يوم الأربعاء رابع عشري ذي الحجة سنة ثمان وثمانين ، فجلس السلطان في خلوة ، وأحضر بأحمد وأصحابه وبكاتب السرّ بدر الدين محمد بن فضل اللّه ، وبالأمير يونس الدّوادار ، والأمير حسين ابن الكوراني والي القاهرة ماسك الزّنجير الذي فيه أحمد وأصحابه . وكان أوّل ما بدأ به السلطان أن قال : أحمد ، ما تنكر من أيامي ؟ فقال : كلّ أيامك منكر ، فقال : أيش من ذلك ؟ قال : أوّل ما أنكره جلوسك في السّلطنة ، فإنه لا يحلّ أن تكون إماما للمسلمين ، فإنّ الأئمة من قريش بنصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال